السيد كمال الحيدري
216
شرح كتاب المنطق
-
--> - في الأعمّ الأغلب بهذا الصنف من الجهلاء ، الذين تعدّ حالتهم هذه كالسرطان من الحالات المستعصية التي لا دواء لها ولا علاج ، إذ كلّما بيّنت له الحق أجابك بأنّك على خطأ وأنّه على صواب . وقد ذكر بعض علماء الأخلاق : أنّ لمثل هذا الصنف طريقاً للعلاج ، وهو أن تبعثه نحو العلوم الدقيقة ، ثم تسأله حتى يعلم أنّه جاهل لا يعلم ، ولا سبيل لإفهامه بأنّه لا يفهم ، ولهذا سئل الإمام أبو عبد الله الصادق ( عليه السلام ) : يا ابن رسول الله ، أيكون العالم جاهلًا ؟ قال : نعم ، عالم بما يعلم ، وجاهل بما يجهل . فقولك : لا أعلم يجعل الطريق أمامك مفتوحاً للتعلّم والكسب ، بخلافه ما لو أنكرت عدم معرفتك فإنّك تسدّ الطريق على نفسك ، وها نحن نجد الشيخ الرئيس ( رحمه الله ) الحكيم الإلهي الذي هو من علمائنا على ما حقّقه جملة من محقّقينا ، ولأجل هذا أثار خصومه المخالفون العديد من الشبهات حوله ، كاتهامه بشرب الخمر ، مع أنّهم كانوا يعرفون ما أُثر عنه واشتهر : كلّما استعصت عليَّ مسألة ذهبت إلى المسجد الجامع ، فصلّيت ركعتين لله لحلّ مشكلتي . وهذه إحدى العبر التي نأخذها من هذا الحكيم الإلهي ، فمن الحكمة أن تتوسّل إلى الله سبحانه وتعالى إذا استعصى عليك حلُّ مسألة علمية ، لا أن تتعلّق بآمال هذه الحياة الفانية وتفكر بالأمور الدنيوية التي تنتهي بانتهاء الدنيا . أما ترى حياة صدر المتألهين الشيرازي ( رحمه الله ) التي قضاها في العبادة والزهد والارتباط بالله سبحانه وتعالى ، حتى حجّ إلى بيت الله الحرام في تلك الأزمنة سبع مرات ماشياً على قدميه يقطع المسافات الشاسعة من شيراز وأصفهان ثم إلى البصرة ومنها يتوجّه إلى الحجاز حتى يصل إلى بيت الله الحرام ، وفي المرّة السابعة أثناء عودته من سفر الحج وافاه الأجل في مدينة البصرة ودفن فيها ، وللأسف لم يعرف قبره إلى يومنا هذا ، وكما جاء في تاريخ حياته أنّه اعتزل في قرية كهك من قرى قم تبعد عنها حوالي ثلاثين كيلو متراً ، وأنّه كان يقول : في كلّ مسألة علمية استعصت عليّ ذهبت إلى السيدة معصومة ( عليها السلام ) ماشياً ، وأخذت منيتي منها ورجعت ، وذكر ( رحمه الله ) في مسألة اتّحاد العقل والمعقول التي هي من أهمّ المسائل في الفلسفة ، يقول : جئت بها ماشياً متوسّلًا بها - أي بالسيدة المعصومة - لتحلَّ لي هذه المشكلة ، فحلّتها لي في اليوم الكذائي وفي الساعة الكذائية وفي المكان الكذائي وكان لي من العمر كذا سنة . -